ابن الجوزي
160
بستان الواعظين ورياض السامعين
الشيء من أصله ، وقد مضت من قبلنا أصول نحن فروعها ، فما بقاء الفروع بعد الأصل ، فكل ما هو آت قريب . أيها الناس إنما أنتم في الدنيا أغراض تتنصل فيكم المنايا ونهب للمصائب ، ومعدن للنوائب ، مع كل أكلة غصص ، ومع كل شربة شرق ، ألا تنالون نعمة إلّا بفراق أخرى ، ولا يعمر فيكم معمر لا بهدم آخر من أجله ، وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم ، فأين المهرب مما هو كائن فاللّه اللّه يا إخواني لا تركنوا إلى طول الأمل ، ولا تنسوا اقتراب الأجل ، فالموت لا بد منه . وأنشدوا : آه على سفرة بغير إياب * آه من حسرة على الأحباب آه من سكرة بغير سراب * آه من ركبة بغير ركاب آه من مضجعي وحيدا فريدا * بين فرش من الحصى والتراب يا إخواني هل رأيتم أحدا خلد في الدنيا حتى تكونوا مخلدين ، أم أنتم من الرحيل إلى الآخرة على شك فتكونوا بالقرآن كافرين ، فو اللّه لو كان الأمر كذلك لخلد خاتم النبيين ، لقد رانت على قلوبكم سترة الغافلين ، واستحوذ على نفوسكم كيد الشيطان اللعين ، حتى نسيتم الموت المفرق لجمع الجامعين . وأنشدوا : ليس دوام البقاء للخلق لك * ن دوام البقاء للخلّاق غلب الموت حيلة كلّ محتا * ل واعي بدائه كلّ راق عطفت شدة الزمان فأدت * ه إلى فاقة وضيق خناق لا يغرنك الغرور من الدني * ا فمنها شدائد بسياق [ 275 ] القرآن والموت واعظان روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « تركت فيكم واعظين ناطقا وصامتا ، فالناطق القرآن والصامت الموت » مساكين فلا بالقرآن عملتم ، ولا في الموت تفكرتم ، تمسون وتصبحون وقلوبكم معلقة بعلائق الدنيا ما عندكم من الموت خبر ، ولا أنتم منه على حذر قلوبكم خالية من خوف الرحمن ، عامرة بخدوع الشيطان ، كأنكم قد أمنتم الموت وطوارق الحدثان . وأنشدوا : ركبت جموح الغي في سبل الصبا * لم تدر أن النائبات تنوب